عمل الروح القدس في أسرار الكنيسة

لماذا لا يكون الإعتراف لالله وحده ؟ وما دور الروح القدس في سر التوبة (الإعتراف) ؟

+++

تنادي الطوائف الغير تقليدية بأن يكون الإعتراف لألله وحده ولكن الكتاب المقدس يذكر لنا أربعة أنواع من الإعتراف كما يلي

 

إعتراف لالله : قال داود النبي "أعترف لك بخطيتي ولا أكتم إثمي قلت أعترف للرب بذنبي وأنت (يا رب) رفعت خطيتي" (مز5:32) وقال أيضاً "لك وحدك أخطأت والشر قدامك صنعت" (مز50) وقال دانيال النبي "وصليت إلى الرب إلهي وإعترفت وقلت: أيها الرب الإله العظيم أخطأنا وأثمنا وعملنا الشر وتمردنا وحدنا عن وصاياك"     دا4:9-5

 

إعتراف الإنسان بينه وبين نفسه: والمقصود به محاسبة النفس قبل الإعتراف وهي أول خطوة للتوبة الحقيقية كما فعل "الإبن الضال" إذ رجع إلى نفسه وأدرك خطأه وإعترف به بينه وبين نفسه أولاً ثم قرر أن يعود إلى أبيه بسرعة ليعترف إليه يحماقته وليقول له: "أخطأت يا أبتاه إلى السماء وقدامك"    مت23:5-24

 

إعتراف المخطئ لمن أخطأ إليه طالباً الصفح عنه: كطلب الرب نفسه: "إذا قدمت قربانك قدام المذبح ... إلخ إذهب أولاً إصطلح مع أخيك وحينئذٍ تعال وقدّم قربانك"     مت23:5-24

 

إعتراف للأب الكاهن: وترى الكنائس التقليدية والأسقفية أن التائب الحقيقي ينال غفراناً لخطاياه إذا ما أقر بها – أمام الله والكاهن – وعزم من قلبه أن لا يعود إليها مرة أخرى وهو ما يتوافق مع نصوص كثيرة منها

قال الوحي "إن كان (الشخص) يذنب في شيئ ... يُقر بما أخطأ به ويأتي إلى الرب بذبيحة لأثمه عن خطيته التي أخطأ بها"     لا5:5-6

"قد أذنبت تلك النفس فلتقر بخطيتها التي عملت وترد ما أذنبت به" (عد6:5-7) وقبل ذبح الذبيحة (التي تموت عوضاً عنه) يضع يده عليها ويعترف يخطاياه (أمام الكاهن) ويقول: أخطأت وإرتكبت الإثم وتعديت وفعلت كذا وكذا ... ولكني أتوب أمامك وهذه كفارتي

وقد إعترف غاخان بن كرمى – أمام يشوع – وإعترف داود أمام ناثان النبي

وذكر البشير متى الرسول أن جموع الشعب كانت تتقدم ليوحنا المعمدان وكان كل واحد يعترف بخطاياه ثم يعتمد في نهر الأردن     مت6:3

كما شجل الوحي أنه منذ العصر الرسولي الأول: "كان كثيرون من الذين آمنوا يأتون (للرسل) مقرين ومخبرين بأفعالهم"     أع18:19

ولو كان الإعتراف لألله وحده لما قال الرسول يعقوب "إعترفوا بعضكم لبعض بالزلات"     يع16:5

 

ولا شك أن الإعتراف على يد الكاهن له فوائده الروحية الكثيرة: فمن يكتم خطاياه لا ينجح ومن يقرّ بها ويتركها يرحم (أم13:28) ويقول القديس كبريانوس: فيعترف كل واحد بخطاياه – وهو في الحياة – لكي يربح ذاته بنصيحة ومساعدة الكاهن

 

وتعترف الكنائس البوتستانتية بأهمية الإعتراف لرجل ألله خذ مثلاً قولهم "إن قوانين الكنائس اللوثرية والأسقفية تستحسن الإعتراف السري للراعي في بعض الأحوال" علم الاهوت البروتستانتي ص 117

ويقول الزعيم البروتستانتي مارتن لوثر (في كتابه سي بابل): "إن الإعتراف السري كما يتم (في زمانه) يعجبني كثيراً وهو نافع بل ولازم أيضاً" وهو ما تنادي به الكنيسة الأسقفية أيضاً إذ نقرأ ما نصه: "يفحص القس هل تاب (الخاطئ) حقاً عن خطاياه ؟ وهنا يحث المريض على الإقرار بخطاياه  وبعد الإقرار يحله القس" الصلاة العامة للأسقفيين ص 279

 

ويرى القديس أغسطينوس أن الكاهن يسطتيع توجيه وإرشاد الخاطئ إلى الطريق المستقيم (بما له من خبرة روحية) والصلاة من أجله وبسلطان "الحل والربط" الممنوح له من الرب (مت18:18 ، يو23:20) يصلي على رأس المعترف ويستدعي الروح القدس لغفران خطاياه التي أقر بها أمامه وأمام الله بالطبع كما يحل الشعب (في القداس) أيضاً في صلاة سرية: "يكونون محللين من فمي بروحك القدوس" وبعبارة أخرى فإن الروح القدس يغفر للشعب من فم الكاهن "يأخذ مما لي ويخبركم" (يو14:16) أي يأخذ مما لي كأقنوم للمعرفة ويذكركم بكل ما قلته لكم وأيضاً يأخذ من إستحقاقات دمي ويخبركم أن خطاياكم قد غُفرت

+++

هل مغفرة الخطايا تتم بدم المسيح ؟ أم بعمل الوح القدس؟

+++

بسفك دم المسيح قدم مغفرة لجميع الخطايا ولذلك فإن الروح القدس يأخذ من إستحقاقات دم المسيح ويقدم للناس المغفرة كما قال الرب عن الروح القدس: "ويأخذ مما لي ويخبركم" (يو14:16) فهو يأخذ من إستحقاقات الدم ويخبر الناس بهم الكاهن – إن خطاياهم قد غفرت لأنها محيت بالدم

+++

ما هو عمل الروح في سر الكهنوت ؟

+++

الروح القدس هو الذي يختار رجال الإكليروس (بمختلف درجاتهم) فقد كرس الرب "هارون" وبنيه للخدمة المقدسة (الكهنوت اللاوي) وإختار الرب يسوع تلاميذه الإثنى عشر والسبعين أيضاً وأرسلهم ليكرزوا بإسمه (لو1:19-2) وحدد لهم مجالات الخدمة وموضوعاتها وشروطها وبركاتها (مت5:10-10) وطلب منهم أن يُعلموا وأن يعمدوا     مت19:28 ، مر15:16

وجاء في سفر الأعمال أن الروح القدس قال: "إفرزوا إلى برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه" (أع2:13) وقال القديس بولس لأساقفة وكهنة أفسس وما حولها من مدن أخرى (آسيا الصغرى) "إحترزوا إذن لأنفسكم ولجميع الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة الله ..."     أع28:20

وهكذا جعلهم الرب خداماً له: "ووكلاء سرائر الله" (1كو1:4-2) وأعطاهم سلطان الحل والربط وسلطاناً آخر لممارسة الأسرار المقدسة      مت18:18 ، يو20:20-23

كما أكد الوحي على ضرورة وجود الرتب الروحية المختلفة في الكنيسة الأولى "أعطى (الروح القدس) البعض أن يكونوا رسلاً والبعض أنبياء والبعض مبشرين والبعض رعاة ومعلمين ... لعمل الخدمة لبنيان جسد المسيح" (تنظيم شئون الكنيسة) (أف11:4-12 ، 1كو28:12) وقد ورد في الدسقولية (تعاليم الرسل) ما نصه: أن الأساقفة رعاة والكهنة معلمون والشمامسة خدّام

ورداً على إعتراض الطوائف المحدثة التي لا تقر سر الكهنوت المقدس (وسلطانه) بزعم أن الشعب كله قد أصبح ملوكاً وكهنة (رؤ6:1) ويقول أحد الأباء: "إن هذه الآية (كبقية آيات سفر الرؤيا) لا تؤخذ بالمعنى الحرفي والمقصود أن المؤمنين ينالون سر المسحة المقدسة (الميرون) وبه ننال ختم موهبة الروح القدس فنصبح "ملوكاً وكهنة وأنبياء" أي ملوكاً على أجسادنا وأما شهواتنا فنسيطر عليها بروح القوة (قوة الروح القدس) وكهنة عن أنفسنا ونرفع صلواتنا وأصوامنا وضدقاتنا (تقدماتنا) بروح التقوى وأنبياء لأن الروح القدس يهبنا روح النبوة (التعليم) والحكمة والفهم والمشورة والمعرفة"    أش2:11

ويذكر كاهناً آخر في هذا المجال: أنه لا تؤخذ هذه الآية بالمعنى الحرفي أيضاً فلا يمكن أن يكون كل الشعب ملوكاً يلبسون التيجان ويجلسون على كراسي لحكم الشعب وأن المقصود بالكهنوت هنا تقديم المؤمنين ذبائح التسبيح للرب: أن تقدموا أجسادكم ذبيحة حية مقدسة (رو1:12) فلنتقدم به كل حين لله ذبيحة التسبيح أي ثمر شفاه معترفة بإسمه (عب15:13)  لك أذبح ذبيحة الحمد (مز116) لا تنسوا فعل الخير والتوزيع (على الفقراء) لأن بذبائح مثل هذه يسر الله    عب16:13

إن تقديم مثل هذه الذبائح (التسبيح والحمد والعطاء إلخ) هو المقصود "بالكهنوت العام" للمؤمنين ويختص "الكهنوت الخاص" (من الأساقفة والكهنة) بتقديم الأسرار المقدسة لأنه لا يأخذ هذه الكرامة من نفسه بل – المدعو من الله – كما هارون أيضاً (عب4:5) وعندما حاول قروح وداثان وأبيرام إغتصاب الكهنوت لأنفسهم وأمسكوا بمجامر البخور ليقدموا بخوراً إلى الله (عد3:16) أهلكم الله وبعد ذلك قال الرب لهارون: "وأما أنت وبنوك معك فتحفظون كهنوتكم مع ما للمذابح وتخدمون خدمة (روحية) عطية أعطيت كهنوتكم (من سبط لاوي فقط) والأجنبي الذي يقترب يقتل"    عد7:18

وهكذا وقع الرب العقوبة على شاول الملك حينما تجرأ ليصعد المحرقة في غياب كاهن الرب صموئيل (1صم13:9 ، 13:16) وضرب الرب عزيا الملك بالبرص عندما تجاسر هة الآخر ليرفع بخوراً فوق المذبح     2أي19:16-21

إذن فالكهنوت دعوة من الله وإرسالية من الرب نفسه (أش61،1) ويرفض من لم تتم رسامته بمعرفة الأساقفة القانونيين وبطقس صحيح وبوضع الأيدي وينفخ الروح في المختارين ليحل عليهم روح الله ويمنحهم السلطان لممارست طقوس هذه الخدمة العظيمة ويقول الرب عن الخدّام المزيفين: "أنا أرسلهم ولا أمرتهم فلم يفيدوا هذا الشعب يقول الرب"     أش32:23

وقد ذكر الرسول بولس أن كهنوت العهد القديم قد تغير (عب12:7) ولم يقل أنه قد ألغي فقد تغير من الكهنوت اللاوي بنبؤة المزمور العاشر بعد المائة "إن المسيح هو كاهن إلى الأبد على رتبة (طقس) ملكي صادق" (عب12:7)  كما أكد القديس بولس أن "ملكي صادق" هذا مشبه بإبن الله في طقسه (عب7:3 ، 11) إذ قدم خبزاً وخمراً تماماً كما فعل يسوع يوم خميس الأسرار

+++

 

ما هو عمل الروح القدس في سر العماد ؟

+++

يقول القديس بولس: "إن (الله) بمقتضى رحمته خلصنا – بغسل الميلاد الثاني – وتجديد الروح القدس" (تي3:3-5) وغسل الميلاد الثاني هو المعمودية أما تجديد الروح القدس فهو عمله بعد حلوله على المؤمن – بعد العماد – في سر التثبيت (الميرون) ويقوم الروح القدس بعملية "التجديد" بخلع الإنسان العتيق الفاسد السالك بحسب شهوات الغرور وإستبداله باللإنسان الجديد الذي على مثال الله في البر وقداسة الحق" (أف22:4-23) "إذن الأشياء العتيقة قد وضت هوذا الكل قد صار جديداً (2كو17:5) أي تخلص المعتمد من الخطية الجدية (خطية آدم) التي ورثتها كل ذريته (مز50) والتطهير من النجاسات السابقة على العماد وأصبح مولوداً جديداً من الماء والروح    يو5:3

وتعلمنا الكنيسة عن عمل الروح القدس في سر العماد بأن الروح يحل على ماء المعمودية "بالكلمة" أي بصلوات الكاهن – وبطريقة خفية – يصير "ماءً نارياً" يمنحه الروح القدس خاصية روحية قادرة على منح المعتمد "طبيعة جديدة" غير طبيعة الأولى التي ولد فيها (وارثاً خطية آدم) (وفي نفس الوقت يتمتع المعتمد بتدوين إسمه في سفر الحياة الأبدية ويخصص له الرب "ملاكاً" حارساً يرعاه طوال الحياة) وبعد ذلك تمارس له طقوس سر التثبيت

+++

لماذا يمارس سر الميرون منفصلاً عن سر المعمودية ؟

+++

هذان السران منفصلان عن بعضهما لأن كلا منهما يمنح بصلاة معينة وبترتيب خاص (منذ العصر الرسولي الأول) وي1كر سفر الأعمال أن الرسولين بطرس ويوحنا وضعا أيديهما على المعتمدين – في السامرة – فحلت عليهم نعمة الروح القدس فوراً     أع17:8

وفي موضع آخر نقرأ أنه لما سمع المؤمنون: "إعتمدوا بإسم الرب يسوع ولما وضع بولس يديه عليهم حل الروح القدس عليهم" (أع 5:29) وهو ما أكده القديس كبريانوس الشهيد بقوله: من إعتمد ينبغي أن يمسح أيضاً لكي يصير – بواسطة المسحة – ممسوحاً من الله ويأخذ نعمة المسيح

+++

لماذا يلزم ممارسة طقس سر الميرون بعد سر المعمودية مباشرة ؟

+++

بالمعودية يولد الإنسان المسيحي ميلاداً جديداً: "من الماء والروح" ويحتاج بالطبع إلى ما يحفظ حياته الروحية ويقويها في النعمة وينميها في الكمال المسيحي وبالميرون يحصل المعتمد على نعمة الروح القدس (خر23:30-30) لكي تكرس للخدمة

ويقول أحد الآباء: سر الميرون هو تثبيت المؤمن في حالة الخلاص التي عليها بواسطة المعمودية وتحصينه ضد كل قوى الشر لكي لا تنفذ إليه سهام العدو القاتلة مرة أخرى بعدما يكون قد جحد الشيطان وكل أعماله الشريرة في المعمودية كما أن سر الميرون هو سر النمو الروحي والمبكت على الخطية وهو أيضاً سر التعزيات الإلهية

ويتحتم مسح المعتمد بزيت الميرون المقدس وعلى أثر إنتهاء المعمودية لأن المسيح له المجد لما صعد من نهر الأردن – بعد العماد – حل عليه الروح القدس مثل حمامة (مت16:3) ولأن الرسل كانوا يمنحون المعتمدين هذا السر فور خروجهم من المعمودية كما سبقت الإشارة      أع14:18 ، 1:19-6

وهو أيضاً ما إعتادت عليه الكنيسة الأولى كما شهد العلامة ترتليانوس (القرن 2 م) بقوله: "بعد خروجنا من حميم المعمودية مُسحّنا بزيت مقدس طبقاً للعادة القديمة" وهو نفس ما أكده القديس كيرلس الأورشليمي القرن 4 م

+++

ما هو عمل الروح القدس في سر الإفخارستيا ؟

+++

يهبنا الله هذا الغذاء الروحي مجاناً دواءً وشفاءً وعزاءً وقد قال أحد الآباء: "إن الله يهب هذا السر لمغفرة خطايا التائب المعترف وهو ذبيحة شكر لله وغذاء للنفس وقوت للروح وبه نتحد بالسيد المسيح ونثبت فيه وهو يثبت فينا وبدونه لا يمكن أن تكون لنا حياة"      يو51:6-58

وتؤمن الكنائس التقليدية "الجامعة الرسولية" بتحول حقيقي لمادتي الخبز والخمر بفاعلية الروح القدس الجوهرية السرية إلى جسد حقيقي ودم حقيقي ليسوع المسيح كما أكده الرب نفسه وكما سلًمه الآباء الأولين للأجيال التالية وكانوا قد إستلموه شخصياً من الرب يسوع (يوم خميس الأسرار) كما شهد به القديس بولس الرسول (1كو23:11) وسموه "مائدة الرب"     1كو21:10

وقد إستقى الرسل كيفية ممارس السر وغيره من طقوس الأسرار المقدسة خلال فترة الأربعين يوماً التي يظهر فيها الرب لهم بعد القيامة: "وكان يتكلم عن الأمور المختصة بملكوت الله" (أع3:1) وهو ما شرحه الرسل بالتفاصيل في الدسقولية (تعاليم الرسل) وأكدته أقوال الآباء الأولين والمجامع المسكونية المعترف بها في الكنيسة

كما أن العدسة تركز أشعة الشمس (على ورقة) فتوجد الحرارة واللهب هكذا تركز الأسرار المقدسة محبة الله في القلب فتُلهب فينا الشوق والتأكد من وجود الرب يسوع بيننا وقديما كان القديس أغسطينوس يبحث عن الله وكان يحاول إثبات وجوده عقلياً وبعد توبته وتقدّمه للسر الأقدس إكتشف أنه في قلبه وهو أقرب شيئ اليه

ويزعم البعض أن السيد المسيح أشار في قوله "إصنعوا هذا لذكري" إلى أن العشاء الرباني مجرد تذكار لما صنعه يوم خميس الأسرار بينما يُفَسّر على ضوء مفهوم الآباء بأنه يعني إستمرارية إقامة هذا السر أي "إصنعوا هذا كلما شربتم لذكري" (1كو25:11) كما فهمه الرسول بولس أي مداومة إقامة القداسات وهو ما درجت عليه الكنيسة منذ القدم وواظبت على إقامة القداسات في كل مكان وفي أصعب أوقات الإضطهادات وقد رأى الكتاب كنائساً في الأماكن التي تقع أسفل الجبال في روما القديمة

ونوجه عناية القارئ والدارس إلى ضرورة دراسة "الاصحاح السادس" من بشارة القديس يوحنا الإنجيلي: وفيه أكد الرب يسوع على عدة حقائق عن سر الإفخارستيا ففي هذا الفصل بالذات نجد 27 آية متتابعة تذكر أن المسيح هو خبز الحقيقي (المن السماوي) الذي نزل من السماء وقال الرب "أنا هو الخبز الحيّ الذي نزل من السماء "أنا هو خبز الحياة من يأكل منه لا يموت (لا يهلك) إن أكل أحد – من هذا الخبز – يحيا إلى الأبد والخبز الذي أنا أعطي (للمؤمنين) هو جسدي" (يو51:6) ... إلخ وليست الآيات مجازية كما يزعم البعض

فقد إحتج اليهود قائلين "كيف هذا أن يعطينا جسده لنأكل؟" ولم يوضح لهم الرب إن تعبيره مجازياً وإنما أكد وأصرّعلى ضرورة – وأهمية – الأكل منه قائلاً: "إن لم تأكلوا جسد إبن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم" (يو53:6) "من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير" (يو54:6) "لأن جسدي مأكل حق (حقيقي) ودمي مشرب حق" (يو55:6) "من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيَّ وأنا فيه ..." إلخ

إذن فهو جسد حقيقي ودم حقيقي ليسوع المسيح وقد تكررت عبارة "جسدي" في مجال التناول (في إنجيل يوحنا 6) خمس مرات كما أن البركات الروحية الكثيرة والفائقة جداً لا يمكن أن تكون من خبز عادي ومنها مثلاً: نيل الحياة الأبدية والثبات في الرب وغفران الخطايا      يو56:6-57

بالإضافة إلى العقوبات الشديدة لمن يتناول "بغير إستحقاق" (بدون توبة وبتهاون أو بإستهتار) يكون مجرماً في جسد الرب ودمه (1كو27:11) ودعوة الرسول بولس المتناول إلى ضرورة إمتحان نفسه أولاً (الإستعداد الروحي المناسب) قبل أن يأكل ويشرب منه (1كو28:11) لأن من يأكل – بدون إستحقاق – يأكل ويشرب دينونة لنفسه غير مميز (خطورة التناول من) جسد الرب (1كو29:11)

ومن ناحية أخرى فإن من لا يتناول من هذا السر الأقدس يخسر كثيراً: "لا تكون لكم حياة فيكم" (يو53:6) وكم من كثيرين يذهبون إلى الكنيسة (متفرجين) ولا يشاركون مشاركة فعلية في التناول بسبب عدم الإستعداد أو لأنه نور ونار

وهذا بالحق "نور ونار" نور للمؤمن في طريق العالم المظلم ونار روحية تحرق كافة أشواك الخطية وتقدس النفس وتطهر الجسد من دنس الخطية ويمتلئ القلب بالروح القدس ولا نجهل عمله في النفس كما أنه يبرئ المتناول من أمراض الروح والجسد "لأنه دواء وشفاء" ومسكين كل من يحرم نفسه أو يرفض طاعة الرب في التقدم لهذا السرالعظيم

وعملية الإستحالة التي تتم بحلول الروح القدس – بصلوات الكاهن – تظهر واضحة في قول يسوع له المجد "هذا هو جسدي ... هذا هو دمي" ولم يقل "هذا مثال جسدي ومثال دمي" كما لم يقل "هذا يذكركم بجسدي ودمي" وإذا كانت معجزة الله تتجلى – أمام عيوننا بإستمرار – في جسم الإنسان البشري بطريقة لا ينكرها أحد بتحول الطعام والخبز والشراب العادي إلى دم يجري في أوردة وشرايين الإنسان فهل يستعصى على الروح القدس أن يقوم بتحويل "القريان وعصير الكرمة" إلى جسد ودم حقيقي للمسيح وهو القادر على الخلق حتى من العدم؟

وكذلك ذكر أحد الشمامسة المباركين أنه سمع عن سيدة غير مسيحية تسللت إلى كنيسة وتناولت من السر الأقدس (وسط جموع المتناولين) فإنحشرت في فمها قطعة لحم

وقد ذكرت سيدة أنها شكت – في هذا التحول السري الإلهي – فلما تناولت أحست بأنها تأكل لحماً (وليس خبزاً) وهو نفس الإختبار الذي سجله القديس بلاديوس في بستان القديسين (الجزء الثاني) عن راهب شك في هذا السر المقدس ولكن الرب أظهر له حقيقة هذا التحول السري بطريقة ماموسة أقنعته بما يتم من إستحالة الخبز والخمر بفعل روح الله القدوس إلى جسد المسيح ودمه فعلاً وليس مجازاً

+++

 

ما هو عمل الروح القدس في سر الزواج ؟

+++

رتّب الله الزواج الأول في الفردوس الأرضي (جنة عدن) قبل الخطية بعدما خلق الله حواء آخذاً ضلعاً من آدم ليتم التآلف والحب والود والتعاون الدائم بين الشريكين ولتكون حواء معينة لآدم ومشاركة له في متاعب الدنيا الكثيرة والزواج يشير رمزياً لإتحاد المسيح بكنيسته إتحاداً روحياً مقدساً

والدليل على أنه سر مقدس أن الرب هو الذي رسمه في الجنة وبارك العروسين بقوله "أثمروا وأكثر وإملأوا الأرص ... لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بإمرأته ويكونان جسداُ واحداً" (تك1:28 ، 24:2) وقد بارك الرب يسوع "الزواج" بحضوره عرس قانا الجليل     يو2:2

ويسميه الكتاب المقدس "سراً عظيماً" (أف32:5) لأنه عن طريق حلول الروح القدس – بصلوات الكاهن في قداس الإكليل – يرتبط الإثنان جسدياً ببعضهما ويصيران جسداً واحداً وتصير لهما رابطة شرعية أبدية لا تنفصل إلا بسبب الموت أو بتدنيس هذا الرباط المقدس بالزنا الجسدي (بدخول طرف ثالث بينهما) أو الروحي (ترك الإيمان) فتصير المرأة من لحم الرجل وعظم من عظامه فتشعر بآلامه وتشاركه متاعبه كعضومن جسده ونفس الأمر بالنسبة للرجل أيضاً

ويذكر الآباء أنه عن طريق إنسكاب الروح القدس على العروسين تحل الزوجة لرجلها والرجل لإمرأته ويصبحان محللين لبعضهما كجسد واحد وبهذه البركة المقدسة يتقوى رباطهما ويتطهر "وما جمعه الله لا يفرقه إنسان"     مت6:19 ، مر9:10

وبدون حلول الروح القدس على العروسين لا يتم الإتحاد بين الرجل والمرأة وعلى ذلك لا تعترف الكنيسة بالزواج المدني كما لا تعترف الكنيسة بأسباب التطليق إلا ما حدده الرب في إنجيله المقدس مما يحفظ للأسرة دوامها وسلامها ويسودها الحب الحقيقي القائم على التضحية والوفاء الدائم والإخلاص والأمانة وغيرها من الفضائل التي يهبها الروح القدس للزوجين اللذين يحولان منزلهما إلى كنيسة صغيرة يسكن فيها الرب ويبارك البيت والوالدين والأبناء الروحيين وهو ما نراه في بيوت أولاد الله السائرين حسب وصاياه فترفرف عليه السعادة وفرح الروح القدس الذي يهب أبناء المسيح طول الأناة وتحمل متاعب الحياة الحياة والتغلب على جروب الشياطين وتتجلى ثمار الروح في المحبة الأسرية المضحية التي يقدمها ويبذلها كل شريك من نفسه في سبيل إسعاد شريكه (لأنه جزء منه) وهو ما يراه أهل العالم أحلى وأجمل مافي الأسرة المسيحية التي تنفذ مبادئ الشريعة المسيحية العظيمة والتي يطبقها الأبناء في حب وإتضاع وإقتناع مقتدين بالرب يسوع الذي أحبهم وبذل ذاته على الصليب من أجلهم وتسري نفس مبادئه السامية في الأسرة المسيحية فتفرح بعمل الروح القدس فيها

يقول القديس أغسطينوس "إن قداسة السر لنا في زيجتنا قوة أكثر من قوة ثمرة الأولاد في الأم" وطلب من المقيلين على الزواج ضرورة إستشارة رجل الله في إختيار شريك الحياة ليكون الزواج مطابقاً لإرادة الله لا بحسب الشهوة من أجل أمور جسدية أو مادية

وبالإختصار يعمل الروح القدس في سر الزواج ليعيش الإثنان معاً في ظل رعلية الله وفي سلام ومحبة وينجبان أطفالاً مباركين يكونون أعضاء نافعين في جسم الكنيسة وليشاطر الشريكان متاعب الحياة معاً وهو أحد الأهداف الرئيسية للزواج كما رسمه الله في جنة عدن (تك18:2) عملاً بالمثل الشائع: إن الأفراح إذا وزعت زادة والأحزان إذا وزعت هانت

+++

ما هو عمل الروح القدس في سر مسحة المرضى ؟

+++

سر مسحة المرضى هو سر مقدس به يمسح المريض بزيت مقدس من الروح القدس بصلوات الكاهن ويستمد له النعمة الإلهية لشفائه من أمراضه الروحية والجسدية والنفسية أيضاً إن شاءت إرادة اللهالصالحة

وإذا كانت عقاقير الأطباء تعالج أمراض الجسد فإن داء الخطية (المرض الروحي) لا يشفى إلا بالتوبة الصادقة والإعتراف بما إقترفه المريض من شرور وآثام ومن ثم فهو علاج روحي لازم للمرضى جميعاً

صلوات "مسحة المرضى" تتم بطقس خاص لشفاء المرضى إستناداً إلى ما جاء في إنجيل "مرقس" من إشارة إلى قيام الرسل "بدهن مرضى كثيرين بزيت فشفوهم"     مر13:6

وهو ما يستنتج منه أن هذ السر المقدس كان يتم بناءً على تعاليم وأوامر السيد المسيح لهم للممارسته أثناء إرساليتهم للخدمة في المدن والقرى لاسيما وأن القديس يعقوب الرسول قد أشار إلى هذا السر وطلب ممارسته للمرضى بقوله: "أمريض أحد بينكم فليدع كهنة الكنيسة فيصلّوا عليه ويدهنوه بزيت بإسم الرب وصلاة الإيمان تشفي المريض والرب يقيمه (من عثرته) وإن كان قد فعل خطية تغفر له ... وإعترفوا بعضكم لبعض بالزلات وصلوا بعضكم لأجل بعض لكي تشفوا"     يع14:5-16

يمسح الكاهن الرأس (الجبهة) بالزت المقدس لكي تتقدس ويبرأ المريض ويحفظه الله من تجارب الشيطان ولأن الرأس هي مركز الحواس ومخرج الأفكار وكذلك يدهن الصدر (القلب وهو مقر الفكر) والأيدي وهي أداة العمل ويتكرر دهن المريض بالزيت المقدس (بالروح القدس) لمدة سبعة أيام ويتم دهن الحاضرين بالزيت أيضاً لنوال البركة المقدسة

+++

Write a new comment: (Click here)

SimpleSite.com
Characters left: 160
DONE Sending...
See all comments

| Reply

Latest comments

Yesterday | 16:15

wonderful site :) God bless you

...
Yesterday | 16:18
الفقرة الأولى Has received 3
Yesterday | 16:16
Yesterday | 16:12
You liked this page